الشيخ محمد علي الأنصاري

383

الموسوعة الفقهية الميسرة

وقال في توضيح ذلك : إنّ فعل الغير إذا كان له فائدة عائدة إلى الشخص فسوف ينبعث من الشوق إلى تلك الفائدة شوق إلى فعل الغير ، وبتبعه يحصل الشوق إلى ما يوجب حصول الفعل من الغير اختيارا ، وهو تحريكه إلى الفعل . فالإرادة التشريعية ليست هي المتعلّقة بتحريك الغير - لأنّ هذه تكوينية ، إذ التحريك من فعله - بل هي الشوق المتعلّق بفعل الغير الصادر منه اختيارا ؛ لما فيه فائدة عائدة إلى المريد . فالإرادة التشريعية - عنده - لها عنصران : 1 - أن يكون متعلّقها فعل الغير ، الصادر منه اختيارا : 2 - أن يترتّب على ذلك الفعل فائدة عائدة إلى المريد . فإذا انتفى أحد العنصرين لم تكن الإرادة تشريعية عندئذ . ولمّا لم يعقل عود النفع إليه تعالى فلا تعقل فيه الإرادة التشريعية ، بل تكون إرادته تكوينية دائما ، ومتعلّقها النظام التامّ في عالم الإمكان ، نعم ، من جملة هذا النظام إرسال الرسل وتحريك العباد لما فيه صلاحهم ، وزجرهم عمّا فيه فسادهم . لكن لا بأس بإطلاق الإرادة التشريعية على نفس البعث والزجر ، كما ورد في الخبر الشريف عن أبي الحسن عليه السّلام ، قال : « إنّ للّه إرادتين ومشيئتين : إرادة حتم ، وإرادة عزم ، ينهى وهو يشاء ، ويأمر وهو لا يشاء » « 1 » . وعلى هذا الأساس لا تتحقّق الإرادة التشريعية في نفس النبي صلّى اللّه عليه واله والوليّ عليه السّلام أيضا ، وذلك لعدم وجود نفع عائد من فعل المكلّفين إليهما ، بل إنّما تكون إرادتهما تكوينية ، وهي تحريك العباد وبعثهم بداعي انبعاثهم نحو الفعل « 2 » . 3 - وقال المحقّق العراقي في الفرق بينهما : إنّ كلّ آمر ومريد لفعل من الغير ، تارة تتعلّق إرادته بوجود العمل منه مطلقا ، شاء أو أبى ، بحيث يكون مسلوب الاختيار ، وتارة تتعلّق بوجوده على نحو يصدر منه باختياره . ويمكن أن نمثّل - من قبله - للأوّل بما إذا أخذ شخص بيد شخص آخر ليختم في الورقة ، مع أنّه لا يريد ذلك ، بل يكرهه ، وللثاني بأمر ذلك الشخص أو استدعائه أو التماسه لأن يقوم بالختم باختياره . فالإرادة على النحو الأوّل تكوينيّة ، وعلى النحو الثاني تشريعية « 3 » . 4 - وأمّا المحقّق النائيني فلم يظهر منه فرق دقيق بين الإرادتين إلّا ما قاله : من أنّه لا فرق في تفسير الطلب بالتحريك نحو المطلوب وتأثير النفس

--> ( 1 ) الكافي 1 : 151 ، الحديث 4 . ( 2 ) نهاية الدراية 1 : 280 . ( 3 ) انظر : نهاية الأفكار 1 : 168 ، ومقالات الأصول 1 : 216 .